محمد سعيد رمضان البوطي
277
فقه السيرة ( البوطي )
وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن حذافة السهمي إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ، وأرسل معه إليه كتابا ، قال : فدفعت إليه الكتاب ، فقرىء عليه ، ثم أخذه فمزقه ، فلما بلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « مزق اللّه ملكه » ، وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك برجلين جلدين إلى هذا الرجل فليأتياني به ، فبعث إليه برجلين جلدين ، وكتب إليه معهما كتابا ، فقدما المدينة ودفعا كتاب باذان إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : « ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد » ، فجاآه من الغد فقال لهما : « أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها » - قال ابن سعد - وهي ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى سنة سبع - وأن اللّه تبارك وتعالى سلط عليه ابنه شيرويه فقتله - ، فرجعا إلى باذان بذلك ، فأسلم هو والأبناء الذين باليمن « 1 » . وبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي إلى عظيم بصرى من قبل الروم شرحبيل بن عمرو الغساني ، فأوثقه رباطا وقتله ، قالوا : ولم يقتل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غيره « 2 » . وبعث صلى اللّه عليه وسلم برسل وكتب أخرى كثيرة إلى كثير من الأمراء العرب المتفرقين في مختلف المناطق ، فأسلم منهم الكثير ، وعاند البعض منهم . وفي هذه الفترة أيضا تلاحقت الوفود تفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مختلف الجهات تعلن إسلامها وتدخل في دين اللّه تعالى ، وممن أسلم في هذه الفترة من كبار العرب وقادتهم : خالد بن الوليد وعمرو بن العاص . روى ابن إسحاق ، عن عمرو بن العاص ، قال : خرجت عامدا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلقيت خالد بن الوليد ، وذلك قبل الفتح ، وهو مقبل من مكة ، فقلت : أين تريد يا أبا سليمان ؟ قال : أذهب واللّه لأسلم ، فحتى متى ؟ ! قلت له : وما جئت إلا لأسلم ، فقدمنا جميعا ، فتقدم خالد فأسلم وبايع ، ثم دنوت فبايعته .
--> ( 1 ) خبر كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى كسرى بهذا التفصيل من رواية ابن سعد في طبقاته وقد ذكر ذلك البخاري أيضا مختصرا ، وفيه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعا عليهم - لما بلغه أنه مزق كتابه - أن يمزقوا كل ممزق . وقد أسند الشيخ ناصر ، في تعليقاته على كتاب فقه السيرة للغزالي ، إلى ابن سعد ، زيادة على ما ذكرته ، لم أجدها في طبقاته ، وهي : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى شواربهما - أي الرجلين اللذين أرسلهما إليه باذان - مفتولة وخدودهما محلوقة فأشاح عنهما وقال : ويحكما ، من أمركما بهذا ؟ قالا : أمرنا ربنا ، يعنيان كسرى ، فهذه الزيادة لم أجدها في رواية ابن سعد ، وإنما هي من رواية ابن جرير . ( 2 ) رواه الواقدي عن عمر بن الحكم ، قال ابن حجر : وذكره أيضا ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد .